نور الدين مجدي @nour_eldeen_magdy

2016-06-11 07:36:53 منشور معدل للعموم

مراجعة لكتاب تصوف - منقذو الآلهة

دائماً يُعرف هذا الكتاب على أن أفكاره ومحتوياته هم إرهاصات أعمال "كزنتزاكيس" الاحقة.
كزنتزاكيس (1883 : 1957) كاتب يوناني كبير أشهر أعماله رواية زوربا اليوناني.
هو كتاب فلسفي بلغة صوفية شعرية بديعة مليئة بالصور والخيال
النصوص تأتي كفقرات قصيرة منفصلة العبارة ومتصلة المعنى.
يبدأ الكتاب بمدخل قصير يعرض فيه رؤيته عن الإنسان الذي أتى من هاوية مظلمة وسينتهي إلى مثلها.
وبينهما تلك المسافة المضيئة التي نسميها الحياة –التيار الصاعد- والتي تتصارع داخل كل الكائنات الفانية مع التيار المقابل لها -الهابط- وهو الموت.
بعد ذلك يعرض الكاتب وجهة نظره واضعاً ثلاث واجبات على الإنسان العمل بها أثناء تفاعله مع هذا الصراع.
يقول كزنتزاكيس :"لا أقبل الحدود..ولا تسعني الظواهر.. إني اختنق!!
فلتعش تلك المعانات العميقة ذلك هو واجبك الثاني"
ثم ينتقل الكاتب في فصل "المسيرة" لتفنيد تلك المعاناة والنزعات والرغبات الداخلية للإنسان..
تلك الأصوات التي تتنازع في داخله
بين الفضيلة والتوحش..
ذلك الصوت الذي يصرخ "النجدة" ويطلب منه الصعود إلى أعلى..
شره الإنسان-أفراد وشعوب- وطمعه..رغبته في الاستحواذ..
ثم يفنى تاركاً كل ذلك وراءه..
في الفصول التالية التي يسميها الكاتب سلالم أو عتبات..
يفصل لنا الكاتب الطريق إلى أعلى
السلم الأول:أنا
السلم الثاني:السلالة
السلم الثالث: الإنسانية
السلم الرابع: الأرض
يقول كزنتزاكيس:"إننا لا نناضل من أجل أنفسنا ولا من أجل عرقنا ولا من أجل الإنسانية أو الأرض أو الأفكار .. لأن ذلك لا يعدو كونه درجات مؤقتة وعزيزة من سلم الإله الذي يصعد..وهي درجات تتحطم حال أن يطأها الإله أثناء صعوده."
أثناء قراءتك ستلمح نبرة داروينية تظهر في رؤية الكاتب للكائنات المتصلة طبيعياً ومتحدرة من أصول مشتركة.. بل ويتخطاها بفكرة أن كل هؤلاء الأسلاف لايزالون بداخلنا وأصواتهم تحدد مصيرنا..
كما ستلمح أيضاً نبرة متأثرة بالديانة المسيحية بالطبع في ميله لتجسيد وتصوير الإله !
تتضح تلك النظرة بشدة في الفصول التالية:
العلاقة بين الإنسان والإله
العلاقة بين الإنسان والإنسان
العلاقة بين الإنسان والطبيعة
السكينة
حيث يصف كزنتزاكيس الإله قائلاً:
"إلهي ليس كلي الطيبة..إنه مليء بالقسوة والعدالة المتوحشة."
"إنه قوة تتسع لكل شيء وتلد كل شيء..تلد الأشياء جميعها وتحبها ثم تمحوها."
"إلهي يناضل بلا أدنى يقين..هل سينتصر؟هل سُيهزم؟.."
"ليس الإله هو الذي سينقذنا..وإنما نحن الذين سننقذه.."
"أنا وإلهي فارسان نسير تحت وهج الشمس الحارقة..أناديه يا قائدي فيدير رأسه نحوي..وحين ألحظ معاناته تنتابني القشعريرة."
قد يثير هذا حفيظة الكثير من المؤمنين بالأديان السماوية عامةً ..والمسلمين خاصةً لأننا نؤمن بأن الله عز وجل خارج النسق الكوني..بينما ما سماه الكاتب بالإله داخل النسق متفاعل به ومعه كقوة جزء منه.
لكني أرى أنه ربما خانه اللفظ عندما أشار لتلك القوة بأنها الإله..
يمكنك استبدال كلمة الإله مثلاً بالحياة أو الأيام في العبارات السابقة وستجد أنها تؤدي نفس المعنى الذي يقصده الكاتب.
يمكنك أن تفهم ذلك من قوله :
"لقد شاهدنا الدورة العليا لقوى الدوامة اللولبية وهي الدوامة التي أطلقنا عليها إسم الإله..كان يمكننا أن نعطيها أي إسم آخر من بين أسماء عدة مثل:الهاوية..السر..الظلام المطلق..النور المطلق..المادة..الروح..المآل الأخير..اليأس الأخير..الصمت."
الحقيقة أن المصطلحات والأسماء لا تستوقفني كثيراً خاصةً عندما يستخدمها فيلسوف شاعر جامح مثل كزنتزاكيس.
في النهاية هو كتاب من أفضل ما قرأت..كتاب جامح وطموح وأصيل بالنسبة لعصره –أوائل القرن العشرين-يحتاج منك أن تستخلص المعنى لا أن تقف عند اللفظ.
وأعتقد أنه من الكتب القليلة التي سوف أقرأها أكثر من مرة.
تصوف - منقذو الآلهة
"نأتي من هاوية مظلمة وننتهي إلى مثيلتها، أما المسافة المضيئة بين الهاويتين فنسميها حياة" .. هكذا بدأ نيكوس كازانتزاكيس كتابه الفريد "تصوف - منقذوا الآلهة" .. رؤية تأملية عميقة للحياة والموت .. للإنسان والكون المحيط به .. ..
تحميل ..