عبد اللطيف علوي @Aloui_Abdellatif

2017-02-19 09:50:43 للعموم

"لاند روفر"

#عبد_اللطيف_علوي

كنّا نسمّيها "لاند روفر"...

حين سمعت"دادهْ" ذلك لأوّل مرّة، ضحكت مثل طفلة خجولة، وقالت:

"ايه... نايَ هِي لندروفا".

الجميع في قريتي، وفي القرى المجاورة يعرفون سيّارة "لاند روفر" التي يستعملها حرس بوعوّان، سيّارة تبدو من مخلّفات الانجليز في الحرب العالميّة الثّانية، أو لعلّها كذلك، لا يكاد يبقى منها سوى الهيكل والمقود والعجلات، لكنّها كانت تذرع الطّريق الجبليّ صباحا مساء، لا توقفها الهضاب ولا الوهاد ولا المنحدرات... ومنذ أعلن النّظام الحرب على الإسلاميّين في أواخر الثّمانينات، صارت تلك السّيّارة وحشا مرعبا يطارد النّاس ويبتلع الرّجال والنّساء، فلم تكن تسمع من حين لآخر إلاّ أخبار المداهمات والاعتقالات، ويتردّد الخبر على كلّ لسان: "فلان هزّاته لاند روفر... "

كان بيتنا يطلّ على مرتفع من الطّريق، وكانت أمّي حين تراها مقبلة، تقف لتراقبها واجفة القلب محبوسة الأنفاس، حتّى تراها تبتعد، فتتنفّس الصّعداء وتعود إليها الرّوح من جديد...

لم نكن نرى "داده" إلاّ مقبلة من طريق، أو ذاهبة في طريق، لذلك سمّيناها "لاند روفر"...

في الصّيف أو في الشّتاء، حين يصبح القيام بإنزال جوّي أو برمائيّ على المرّيخ، أسهل بكثير من التّنقّل في ثنايا القرية وبين شعابها، كانت داده لا تجلس لتلتقط الأنفاس قادمة من مكان، إلاّ لتنطلق إلى وجهة أخرى لها فيها شأن ومرام...

ولسوء حظّها، أو من حسنه... لا أعلم... تزوّجت بناتها جميعهنّ في أقاصي الدّنيا، واحدة في الشّرق والأخرى في الغرب والثالثة في الجنوب والرّابعة في الشّمال، في دائرة لا يقلّ شعاعها عن سبعة أو ثمانية كيلومترات ، لكنّ ذلك لم يكن يثنيها أبدا عن زيارتهنّ والاطمئنان على حالهنّ، أحيانا جميعا في يوم واحد...

ربّما كان جسدها القصير الضّامر هو الّذي يساعدها على قطع تلك المسافات المهولة، ولطالما شبّهتها بيني وبين نفسي بعدّائي الماراطون الأثيوبيّين، هم أيضا تجدهم عادة بقامات قصيرة ضامرة وصدور منتفخة، مثلها تماما ...

كانت لا تتأخّر عن أيّ واجب من واجبات المجاملة في الأفراح والمناسبات أو التّعزية والمواساة، أو زيارة المريض أو أيّ شيء آخر ... عرفها الجميع وأحبّوها حتّى صاروا يلجؤون إليها في حلّ مشاكلهم الشّخصيّة، فهذا يأخذها إلى بيته لتحلّ مشكلته مع زوجته، وهذا يدعوها لتذهب معه في الخطبة، وذاك يدعوها لتوليد زوجته، كانت "مسّادة" وقابلة هاوية، لكنّها فائقة الخبرة، حتّى في توليد الحيوانات...

ولم تكن تحتاج من الوقت أكثر من دقيقة أو دقيقتين لتكون جاهزة تماما للخروج، فقد كانت تكتفي بوضع شالها الأبيض على كتفيها، و"شلاكتها" الحمراء وينتهي كلّ شيء، حين نراها وضعت الشّال، نقول ضاحكين : "داده حِفْلِتْ"

عندما تعود إلى البيت تنبري مباشرة إلى مواشيها السّارحة، فتطيل الحبل لهذه وتقصّره لتلك، وتغيّر مكان الأخرى وتسرّح الرّابعة وتذبّ الخامسة عن إحدى الزيتونات... ولا تنتهي من الأخيرة حتّى تعود إلى الأولى لتستأنف دورة العناية المركّزة من جديد...

ظلّت داده على تلك الحال، مثل الغيمة الّتي تتنقّل من مكان إلى آخر لتسقي كلّ شيء، ولم تشعر بمرور العمر حتّى ثقلت خطاها وعشيت عيناها وقلّت حيلتها... لم يكن يبدو عليها أنّها تفهم شيئا كثيرا ممّا حدث لها ... كانت تشعر دائما أنّ سرّ قوّتها في قلبها المشتعل كالجمرة، وليس في جسدها، فلماذا لم تعد رجلاها تطاوعانها، ولم تعد دفقة الحياة في صدرها تكفي ..؟

كان من الصّعب أن تقتنع أنّ المرض هو الّذي هدّها وصار يقعدها عن كلّ تلك المشاوير الطّويلة، تلك المشاوير التي قضت فيها العمر تريد قضاءها، وذهب العمر ولم ينقض منها إلاّ القليل ...

لم يبق لها غير فراش الجلد تحت الزّيتونة، تجلس عليه لساعات طويلة حتّى تقول "جنابي وجعتني" ... تقضي اليوم موجّهة منبّهة مؤنّبة، آمرة ناهية: يا فلانة... طوّلي الحبل للعِجْلة ... يا فلانة ... شوفي الكلب علاش ينبح ... يا فلان ... امشي طلّ على خالتك قالوا مريضة ... يا فلانة شوفي الدّجاجات آش بيهم يتصايحوا ...

وتضيق الصّدور، وتنفلت الأصوات أحيانا قاسية متذمّرة... فتصمت قليلا، وتسرّح عينيها في تلك الرّبوع الّتي تمتدّ أمامها، تكاد تتحسّس التّراب والحصى تحت رجليها في كلّ طريق، وحبيبات العرق المتساقط من جبينها تترادف خلفها مثل خيوط النّمل الأحمر ... 

تحميل ..
رامز رمضان النويصري @rrenwesri
جميل وماتع هذا السرد
2017-02-21 02:48:49 1
عبد اللطيف علوي @Aloui_Abdellatif
دام ودّك صديقي
2017-03-04 12:16:35