عبد اللطيف علوي @Aloui_Abdellatif

2017-02-19 19:26:28 للعموم

أحبّكِ... لكنّني لن أكفَّ عن الشَّخِيرْ

توقظه زوجته في كبد اللّيل، وتهمزه برفق:

- يارجل... كفَّ عن الشّخير أرجوك... أريد أن أنام قليلا!

يغمغم، نصف نائم:

- ماذا تريدين؟... دعيني أنَمْ !

- أنت تنام منذ أوّل اللّيل... أنا أيضا أريد أن أنام... كفّ عن الشّخير، أرجوك!

- أنا أشخر!!؟

تقول في نفسها: "سيبدأ الموّال من أوّله"

- نعم أنت تشخر وتصفّر وتصكّ وتقضم أسنانك وتسحب عنّي الغطاء وتفعل أشياء أخرى كثيرة لن أقولها الآن...و لن تصدّق إلاّ حين أسجّلك ليلة صورة وصوتا وأسمعك شخيرك الّذي يهزّ الجيران... وسوف أفعلها

- أنا لم أسمع نفسي يوما أشخر، وحتّى إن شخرت، فلا أعتقد أنّ شخيري مزعج إلى هذا الحدّ كي تقيمي عليه الدّنيا كلّ مرّة وتحرميني من النّوم...

ينتبه إلى أنّ هناك أشياء كثيرة بدأت تتغيّر، ابنته أيضا نامت إلى جانبه تلك اللّيلة في "الصّالة"، ثمّ حين استيقظ وجدها قد أخذت الحشيّة والغطاء، وأكملت نومها في الغرفة المجاورة... إذن فالأمر صحيح... لقد صرت أشخر أنا أيضا، مثل داده رحمها اللّه وجدّي رحمه الله وخالتي عيشه رحمها الله، وكلّ الّذين كانوا يشخرون، رحمهم الله أيضا سريعا بعد ذلك... ماذا يعني ذلك؟ ... هل أنا أيضا أصبحت على الطّريق السّريع إلى رحمة الله؟؟ ... هكذا بكلّ هذه السّرعة وبكلّ هذه البساطة؟

يقول في نفسه: " صحيح أنّني لم أعد أنام كما كنت أنام فيما مضى، ربّما منذ سنوات طويلة، كنت حين أنام أشعر أنّني انتقلت إلى غرفة أخرى مضاءة بالكامل، فيها شاشة عملاقة، أشاهد فيها أفلاما فيها كثيرة عالية الدّقّة... أركض وأضحك وأغنّي وأسمع وأرى كلّ شيء بمنتهى الوضوح... أنام دفعة واحدة، وحين أستيقظ، أستيقظ دفعة واحدة، بكلّ حواسّي وكأنّني قد امتلأت عيناي بكلّ الضّياء وصدري بالأوكسيجين وقلبي بأجمل الذّكريات ... اليوم صرت أنام مثل حجر ثقيل يسقط في قاع البئر، لا أثر للضّوء من حولي، تختنق أنفاسي وتموت حواسّي كلّها كما لو كنت جثّة حقيقيّة، وحين أستيقظ لا أتذكّر شيئا... منذ عشر سنوات على الأقلّ لا أتذكّر أنّي حلمت حلما واحدا، وحتّى إذا صادف وحلمت، أنساه مباشرة فور استيقاظي ولا يبقى منه سوى الضّباب ...

زوجتي تقول إنّني أشخر كثيرا، لكنّني لا أتصوّر ذلك... أقصد أنّ شخيري لا يمكن أن يكون مزعجا إلى هذا الحدّ، فرقبتي ليست غليظة، وصدري ليس ضيّقا، وبطني ليست منتفخة إلى ذلك الحدّ ... كما أنّني أقلعت عن التّدخين منذ سنوات، والأهمّ من كلّ ذلك أنّني أغنّي لعبد الحليم ... الجميع يقولون إنّ صوتي في الغناء يشبه كثيرا صوت عبد الحليم، فهل يتصوّر أحدهم أنّ عبد الحليم يشخر؟ وحتّى إذا شخر... فلن يكون شخيره إلاّ قريبا جدّا من غنائه...

هل يتصوّر أحدهم أنّ فيروز تشخر؟ أو أسمهان أو أو ...

إذا صحّ أنّني أشخر فعلا، فسأكون قد خرجت من زمن عبد الحليم إلى زمن الحطّاب الذّيب...

من الطّبيعيّ أن يشخر الحطّاب الذّيب، حين تنظر إلى رقبته وكتفيه وظهره وحين تسمع صوته ... وحتّى لو لم يكن كلّ ذلك، فيكفي أن يكون اسمه الحطّاب الذّيب كي يكون من الطّبيعيّ أنّه يشخر ... أمّا عبد الحليم ، فلا...

ثمّ ينتبه إلى أنّ الشّخير هو في الحقيقة نوع من الغرغرة، غرغرة الرّوح عند الاحتضار... هو حالة الاحتضار الّتي بدأت، ولا أحد يعرف بالتّحديد متى تنتهي، لكنّها حتما ستنتهي أقرب ممّا كان يتوقّع ... ينتبه إلى أدويته الكثيرة التي بدأت تتكدّس إلى جانبه قرب الفراش، دواء الضّغط، ودواء الحساسيّة، ودواء السّكّريّ ... وأدوية أخرى عارضة، تظهر وتختفي من حين لآخر ...

لا شكّ أنّ كلّ ما تقوله زوجته صحيح بالكامل... ولا شكّ أنّها لم توقظه إلاّ بعد أن قضت السّاعات وهي تتقلّب على جانبيها، تقول في نفسها: "هو يتعب طيلة اليوم، يجب أن يرتاح... سوف يتقلّب على جنبه الآخر بعد قليل... مازال اللّيل طويلا وسأشبع من النّوم... المهمّ أن يرتاح هو قليلا ... "

يأخذ اللّحاف والغطاء، ويتسلّل إلى الصّالة... يحزنه كثيرا أن يفعل ذلك... من المحزن أن يفرغ مكانه أو مكانها في الفراش، ذلك ينبئ بشرّ كثير ... كان يعتقد دائما أنّه لن يحدث ذلك إلاّ وأحدهما في القبر... هناك سيحترم الجميع راحة الجميع، لا أحد يشخر أو يصفّر، أو يصكّ أو يسحب الغطاء عن الآخر... الآن صار مضطرّا إلى كثير ممّا يكره... سيتركها ترتاح قليلا ... ساعة أو ساعتين قبل انبلاج الصّباح...

حين استقرّ في فراشه الجديد على "البنك"... شعر بحركتها ... أحضرت غطاء وحَشِيّةً (جرّاية)... وضعتها على الأرض واستقرّت لتنام ، إلى جانبه في الصّالة...

قال لها بحزن يغلّفه الغضب والاستغراب:

- لماذا تلحقين بي إلى هنا؟ ... ألم تقولي إنّ شخيري يحرمك من النّوم؟... دعيني وشأني إذن...

تتمتم بينها وبين نفسها:

- لأنّك غبيّ ... لم تفهم أنّ شخيرك يزعجني ويحرمني من النّوم، لكنّني لا أستطيع أن أعيش بدونه ...

يتمتم هو أيضا، بينه وبين نفسه:

- أنا أيضا أحبّكِ... لكنّني لا أستطيع أن أكفّ عن الشّخير !!

ــــــــــــــــــــــــ عبد اللطيف علوي

تحميل ..
أظهر تعليقات أكثر ..
Lamine Ain El Djaneb @lamineaineldjaneb
ظريف .
2017-03-17 08:50:51 2
محمد الطاهر @argaze
جميل جدا
2019-07-02 18:59:25